محمد أحمد خلف الله

55

الفن القصصي في القرآن الكريم

كان المشركون فيما هو الواضح من النصوص السابقة يستبعدون أن يكون هذا الذي يأتي به محمد من عند اللّه ومن هنا كانوا يسخرون . وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ « 1 » . وكانوا يطلبون من العلي القدير أن ينزل عليهم العذاب إن كان الذي يأتي به محمد هو الوحي وهو الحق وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ « 2 » . وكان المشركون يعتقدون أن هذه الأخبار التي يجيئهم بها محمد ليست إلا أساطير الأولين ومن هنا لم يؤمنوا . ولم يكن لذلك المقياس الذي اعتمد عليه القرآن الكريم في الإيحاء بنبوة النبي عليه السلام وصدق رسالته وهو الإتيان بأخبار السابقين كبير قيمة عندهم . مضى هؤلاء وجاء من بعدهم قوم لم يقفوا بالمسألة عند حد القدرة على الإتيان بمثل هذه الأخبار وإنما حاولوا مستعينين بمعلوماتهم ومعارفهم الطعن في النبي عليه السلام وفي القرآن الكريم وذلك باتخاذ التاريخ مقياسا تقاس به هذه الأخبار وببيان وجه المخالفة بين الأقاصيص القرآنية وبين ما يعرفون من تاريخ ونستطيع أن نعرض عليك في هذا الموقف بعض المسائل التي وقف عندها الملاحدة أو اليهود والنصارى أو المستشرقون والمبشّرون . ( 1 ) يقول الرازي عند تفسيره لقوله تعالى وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ . . . « 3 » ما يأتي « واعلم أن اليهود والنصارى ينكرون أن عيسى عليه السلام تكلّم في زمان الطفولة واحتجّوا عليه بأن هذا من الوقائع العجيبة التي تتوافر الدعاوى على نقلها فلو وجدت لنقلت بالتواتر ولو كان ذلك لمعرفة النصارى لا سيما وهم من أشد الناس غلوا فيه حتى زعموا كونه إلها ولا شك أن الكلام في الطفولية من المناقب العظيمة والفضائل التامة فلما لم تعرفه النصارى مع شدة الحب وكمال البحث عن أحواله علمنا أنه لم يوجد . ولأن اليهود أظهروا عداوته حال ما أظهر ادعاء النبوة فلو أنه عليه السلام تكلّم في زمان الطفولية وادّعى الرسالة لكانت عداوتهم معه أشد ولكان قصدهم قتله أعظم فحيث لم يحصل

--> ( 1 ) سورة النحل ، الآية 24 . ( 2 ) سورة الأنفال ، الآية 32 . ( 3 ) سورة آل عمران ، الآية 46 .